محمد حسين هيكل

281

حياة محمد ( ص )

حلف لها أن مارية عليه حرام إذا هي لم تذكر مما رأت شيئا . ووعدته حفصة أن تفعل . لكن الغيرة أكلت صدرها فلم تطق كتمان ما به ، فأسّرته إلى عائشة . وأومأت هذه إلى النبيّ بما رأى منه أن حفصة لم تصن سرّه . ولعل الأمر لم يقف عند حفصة وعائشة من أزواج النبيّ . ولعلهن جميعا وقد رأين ما رفع النبي من مكانة مارية قد تابعن عائشة وحفصة حين ظاهرتا على النبيّ على أثر قصة مارية هذه ، وإن تكن لذاتها قصة لا شيء فيها أكثر مما يقع بين رجل وزوجه ، أو بين رجل وما ملكت يمينه ، مما هو حل له ومما لا موضع فيه لهذه الضجة التي أثارتها ابنتا أبي بكر وعمر محاولتين أن تقتصا لذاتيهما من ميل النبيّ لمارية . وقد رأينا أن شيئا من الجفوة وقع بين النبي وأزواجه في أوقات مختلفة بسبب النفقة ، أو بسبب عسل زينب ، أو لغير ذلك من الأسباب التي تدل على أن أزواج النبي كن يجدن عليه أن يكون لعائشة أحب ، أو أن يكون لمارية أهوى . بين بنت جحش وعائشة وبلغ من أمرهن أن أوفدن إليه يوما زينب بنت جحش وهو عند عائشة تصارحه بأنه لا يعدل بين نسائه ، وأنه لحبه لعائشة يظلمهن . ألم يجعل لكل امرأة يوما وليلة ! ثم رأت سودة انصراف النبي عنها وعدم بشاشته لها ، فوهبت يومها وليلتها لعائشة إرضاء للرسول . ولم تقف زينب من سفارتها عند الكلام في ميل النبي عن العدل بين نسائه ؛ بل نالت من عائشة وهي جالسة بما جعل عائشة تتحفّز للرد عليها لولا إشارات من النبي كانت تهدئ من حدتها . غير أن زينب اندفعت ولج بها الاندفاع وبالغت في النيل من عائشة ، حتى لم يبق للنبيّ بدّ من أن يدع لحميرائه أن تدافع عن نفسها . وتكلّمت عائشة بما افحم زينب وسرّ النبي ودعاه إلى الإعجاب بابنة أبي بكر . منازعات أمهات المؤمنين وبلغت منازعات أمهات المؤمنين في بعض الأحايين ، بسبب إيثاره بعضهن بالمحبة على بعض ، حدّا همّ النبيّ معه أن يطلق بعضهن لولا أنهن جعلناه في حل أن يؤثر من يشاء منهن على من يشاء . فلما ولدت مارية إبراهيم لجّت بهن الغيرة أعظم لجاج ، وكانت بعائشة ألج . ومدّ لهن في لجاج الغيرة بهن هذا الرفق الذي كان محمد يعاملهن به ، وهذه المكانة التي رفعهنّ إليها . ومحمد ليس خليّا فيشغل وقته بهذا اللّجاج ويدع نفسه لعبث نسائه ، فلابدّ من درس فيه حزم وفيه صرامة يردّ الأمور بين أزواجه إلى نصابها ، ويدع له طمأنينة التفكير فيما فرض اللّه عليه من الدعوة إلى رسالته . وليكن هذا الدرس هجرهن والتهديد بفراقهن ؛ فإن ثبن إلى رشادهن فذاك ، وإلا متعهن وسرحهن سراحا جميلا . هجر النبي نساءه وانقطع النبي عن نسائه شهرا كاملا لا يكلّم أحدا في شأنهن ، ولا يجرؤ أحد أن يفاتحه في حديثهن . وفي خلال هذا الشهر اتجه بتفكيره إلى ما يجب عليه وعلى المسلمين للدعوة إلى الإسلام ، ولمد سلطانه إلى ما وراء شبه الجزيرة . على أن أبا بكر وعمر وأصهار النبيّ جميعا كانوا في قلق أشدّ القلق على ما قدّر مصيرا لأمهات المؤمنين ، وما يتعرضن له من غضب رسول اللّه ، وما يجرّ إليه غضب الرسول من غضب اللّه وغضب ملائكته ، بل لقد قيل : إن النبيّ طلّق حفصة بنت عمر ، بعد الذي كان من إفشائها ما وعدت أن تكتمه . وقد سرى الهمس بين المسلمين أن النبي مطلّق أزواجه . وأزواجه خلال ذلك مضطربات نادمات ، أن دفعتهن الغيرة إلى إيذاء هذا الزوج الرفيق بهنّ ، هو منهن الأخ والأب والابن وكل ما في الحياة وما وراء الحياة . وجعل